السيد محمد حسين الطهراني
36
الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )
حلّ اليوم التالي فأحسست عصراً أنّ قدرتي قد تلاشت من شدّة الضعف والجوع ، وكان النهار طويلًا جدّاً والهواء لافحاً من شدّة الحرارة ، فقلت في نفسي : إنّ هذا الغذاء لا يلائمني ، وإن دام الأمر على هذا الوضع فسأسقط مريضاً وأعجز عن الصيام . ومن ثمّ فقد كنت بعد ذلك أتناول السحور معه ثمّ أعود إلى البيت فوراً فأتناول قدراً من ماء اللحم المطبوخ أو الطبيخ الذي يعدّونه في البيت ، أو آخذ السحور معي من المنزل فنتسحّر سويّاً به . أما نومه : فلم أره ينام خلال هذا الشهر الكامل ، فقد كان يسهر الليل إلى طلوع الفجر بالتهجّد والدعاء والذِّكر والسجود والتأمّل والتفكّر ، وكان يذهب صباحاً إلى عمله في محلّ مديريّة الشرطة بعد شراء الخبز واحتياجات المنزل ، وكان يصلّي الظهر في البيت ثمّ يتشرّف بزيارة حضرة الإمام ؛ ويقال إنّه لم يكن ينام العصر مطلقاً . وكان أحياناً يحسّ بالتعب في بدنه صباحاً فيذهب إلى الحمام الواقع في نهاية الشارع فيعيد النشاط إلى جسمه بالاستحمام بالماء الحارّ ، أو إنّه كان أحياناً يستلقي صباحاً للاسترخاء ثمّ ينهض فيذهب للعمل ، ذلك العمل الشاقّ المرهق . ولم يكن ليصنع الحدوات فقط ، بل كان عليه أيضاً أن يقوم بتسميرها في أقدام الخيول ، لكنّ ذلك الوُجْد وتلك الحال وتلك الشعلة المتأجِّجة في أعماقه لم تكن لتدعه يستريح لحظة واحدة . وانقضى شهر رمضان على هذه الحال . ولم يُشاهَد الهلال في الليلة التي احتُمل أنّها ليلة العيد ، فاقترح بعض رفقاء الطريق - كشُكر لإتمام صيام شهر رمضان - السفرَ إلى النجف للتشرّف بالسلام والزيارة ؛ ولكي يفطروا هناك في اليوم التالي إن ظهر أنّه من شهر رمضان . وهكذا فقد تشرّفنا بالذهاب إلى النجف عصر يوم التاسع والعشرين